مستقبل الذكاء الاصطناعي في عالم يعاني من ندرة المياه وتغيّر المناخ


في الأسابيع الماضية تحدثت عن التحوّلات الجذرية التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في استهلاك الطاقة عالميًا، إلى جانب ما يطرحه هذا التحوّل من تحديات بنيوية وبيئية متشابكة. فالمقال الأول يتناول سؤالًا محوريًا حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على استبدال الإنسان في المجالات الإبداعية والمهنية المختلفة. بينما ركّز المقال الثاني على التكلفة البيئية المتصاعدة لتشغيل هذه التقنيات.

ويأتي هذا استكمالًا لهذه السلسلة، ليُسلّط الضوء على أحد أهم جوانب النقاش الدائر اليوم: الكلفة البيئية طويلة الأمد لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون ضوابط، وتأثير ذلك على الأجيال المقبلة.

 

هل هناك خيارات أخرى للتبريد؟

يُمكن استخدام أنظمة التبريد الجاف أو الهوائي، ولكنها عادةً ما تستهلك كهرباءً أكثر من الأنظمة القائمة على الماء. وتُشير Microsoft و Meta و Amazon إلى أنها تُطور أنظمة "حلقة مغلقة" تعمل على تدوير الماء - أو أي سائل آخر - دون تبخيره أو استبداله.

من المُرجح أن تكون هذه الأنظمة مطلوبة على نطاق واسع في المناطق الجافة في المستقبل، لكن النظام لا يزال في مرحلة "مبكرة جدًا" لاعتماده. وهناك مشاريع جارية أو تمّ التخطيط لها لاستخدام الحرارة من مراكز البيانات في المنازل في دول مثل ألمانيا وفنلندا والدنمارك.

ترى الدراسات أن الشركات تُفضل عادةً استخدام المياه النظيفة والعذبة - مثل تلك المستخدمة للشرب - لأنها تُقلل من خطر نمو البكتيريا والانسدادات والتآكل. ومع ذلك، تعتمد بعض الشركات على مصادر مياه غير صالحة للشرب مثل مياه البحر أو مياه الصرف الصناعي للتبريد.

 

تقليل انبعاثات الكربون التشغيلية

عندما يتعلق الأمر بخفض انبعاثات الكربون التشغيلية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فهناك العديد من أوجه التشابه مع تدابير توفير الطاقة المنزلية. أولًا، يمكننا ببساطة إطفاء الأنوار فعلى سبيل المثال، أظهرت أبحاث مركز الحوسبة الفائقة أنّ خفض قدرة وحدات معالجة الرسوميات إلى نحو 30% يمكن أن يحقق تأثيرًا طفيفًا فقط على أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، مع جعل عملية التبريد أكثر سهولة.

 

أجهزة حاسوبية تستهلك قدرًا أقل من الطاقة

عادةً ما تتطلب أحمال عمل الذكاء الاصطناعي التوليدي المُرهِقة، مثل تدريب نماذج استدلال جديدة مثل GPT-5، تشغيل العديد من وحدات معالجة الرسوميات في آنٍ واحد. ويُقدّر تحليل لشركة "غولدمان ساكس" أنّ نظامًا متطورًا قد يضم قريبًا ما يصل إلى 576 وحدة معالجة رسومية متصلة تعمل بالتوازي.

ومع ذلك، يمكن في بعض الحالات تحقيق نتائج مماثلة عبر تقليل دقة الحوسبة أو استخدام معالجات أقل قوة ولكن مُحسّنة خصيصًا لنوع عبء العمل المطلوب. وهناك أيضًا تقنيات تُعزّز كفاءة تدريب نماذج التعلم العميق، التي تستهلك عادةً كميات كبيرة من الطاقة قبل نشرها.

 

الاستفادة من تحسينات الكفاءة التقنية

لا يزال الابتكار المتواصل في أجهزة الحوسبة، مثل مجموعات الترانزستورات الأكثر كثافة على شرائح أشباه الموصلات، يتيح تحسينات كبيرة في كفاءة الطاقة في نماذج الذكاء الاصطناعي. ورغم تباطؤ تحسّن الكفاءة في معظم الرقائق منذ عام 2005 تقريبًا، فإن معدل العمليات الحسابية التي تنفذها وحدات معالجة الرسوميات لكل جول من الطاقة ما يزال يتحسن بنسبة 50–60% سنويًا.

وإذا كان تنفيذ مهمة اليوم يتطلب نموذجًا قويًا، فقد يصبح بالإمكان بعد سنوات قليلة استخدام نموذج أصغر بكثير لتحقيق النتيجة نفسها، وهو ما يُقلل العبء البيئي بدرجة كبيرة.

 

تعظيم توفير الطاقة

على الرغم من أن تقليل الاستخدام الإجمالي للطاقة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأجهزة الحوسبة يُسهم في تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، إلّا أنّ الطاقة ليست جميعها متساوية من حيث البصمة الكربونية. فكمية انبعاثات الكربون المرتبطة بكل كيلوواط في الساعة تختلف بشكل كبير باختلاف توقيت الاستهلاك، خلال اليوم والشهر والسنة.

قد يؤدي تأجيل بعض عمليات الحوسبة إلى ساعات تُغذّى فيها الشبكة بكهرباء أكثر نظافة - مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح - إلى خفض كبير في البصمة الكربونية لمراكز البيانات. ومن خلال النظر إلى النظام بشكل متكامل، يمكن تقليل استهلاك الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مع الحفاظ على مستويات الموثوقية المطلوبة.

 

الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي

في الوقت الحالي، لا يواكب التوسع في توليد الطاقة المتجددة النمو السريع للذكاء الاصطناعي، وهو ما يُشكل أحد التحديات الرئيسة أمام تقليل بصمته الكربونية. وتعمل فرق بحثية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجهات أخرى على استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع ربط مصادر الطاقة المتجددة الجديدة بشبكات الكهرباء.

علاوة على ذلك، فإن تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي يمثل الجزء الأكبر من استهلاكها للطاقة، إذ تشير التقديرات إلى أن الطاقة اللازمة للتشغيل تبلغ نحو 960 ضعف الطاقة اللازمة لتدريب واحد فقط. ويتطلب تدريب النماذج كميات ضخمة من الكهرباء غالبًا ما تأتي من مصادر غير متجددة، ما يؤدي إلى زيادة الانبعاثات المسببة لتغيّر المناخ.

ووفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية (أبريل 2025، فيينا)، من المتوقع أن يتضاعف استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالميًا بحلول 2030 ليصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة. ورغم أن جزءًا كبيرًا من هذا الاستخدام غير مرتبط بالذكاء الاصطناعي، فإن الإجمالي يفوق استهلاك الطاقة في اليابان.

وحسب تحليل "غولدمان ساكس" (أغسطس 2025)، فإن نحو 60% من الطلب الإضافي على الكهرباء في مراكز البيانات سيُلبّى عبر الوقود الأحفوري، ما قد يزيد الانبعاثات العالمية بنحو 220 مليون طن. وللمقارنة، ينتج عن قيادة سيارة تعمل بالبنزين لمسافة 8,000 كيلومتر حوالي طن واحد من ثاني أكسيد الكربون.

 

لماذا تُبني مراكز بيانات في المناطق الجافة؟

شهدت السنوات الأخيرة احتجاجات محلية ضد إنشاء مراكز البيانات في مناطق تعاني من الجفاف في أوروبا وأمريكا اللاتينية وولايات أمريكية مثل أريزونا. وفي إسبانيا، تأسست مجموعة بيئية تحمل اسم "سحابتك تجفّف نهري" لمعارضة توسع هذه المراكز. وفي تشيلي وأوروغواي، اضطرت Google إلى إيقاف أو تعديل مشاريع مشابهة بسبب المخاوف المتعلقة بالمياه.

وتوضح الشركات أن اختيار هذه المناطق يعتمد على عوامل مثل توفر الأراضي والبنية التحتية للطاقة ووجود مصادر متجددة واللوائح المناسبة. ويشير الخبراء إلى أن الرطوبة المرتفعة تزيد من معدلات التآكل، ما يستدعي طاقة أكبر للتبريد، وبالتالي يجعل المناطق الجافة جذابة لهذه المنشآت.

يتّضح مما سبق أن تطوّر الذكاء الاصطناعي لا ينفصل عن تحدياته البيئية المتزايدة. ورغم الجهود المبذولة لتحسين كفاءة الطاقة وتقليل استهلاك الموارد، إلا أن الطريق نحو تشغيل مستدام ما يزال يتطلّب ابتكارًا أكبر ورؤية أوسع. ومع استمرار نمو الطلب على هذه التقنيات، يصبح إدماج الاستدامة في صميم تطويرها خطوة أساسية لضمان أن يبقى هذا التقدّم فرصة، لا عبئًا، على مستقبل البيئة والإنسان.

Comentarios

Entradas populares de este blog

Arabic Calligraphy: An Artistic Heritage

Las buenas noticias siempre llegan... Aunque a veces tardan.

الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي: تحديات بيئية متصاعدة